لماذا كوليج الفلسفة الإفريقية؟ نحو فضاء للفكر والعدالة المعرفية
تأسس كوليج الفلسفة الإفريقية استجابة لحاجة فكرية ملحة تتمثل في إعادة الاعتبار إلى الفلسفة الإفريقية، والتعريف بمنجزاتها، وفتح فضاء للحوار حول مفاهيمها وأسئلتها وقضاياها. فالفكر الفلسفي الإفريقي، على الرغم من غناه وتعدده، لم يحظ دائمًا بالمكانة التي يستحقها داخل المؤسسات الأكاديمية وفي الكتابات العامة حول تاريخ الفلسفة.
لا تنبع هذه الحاجة من الرغبة في إضافة أسماء إفريقية إلى تاريخ فلسفي مكتمل سلفًا، وإنما من ضرورة مراجعة الطريقة التي كُتب بها هذا التاريخ، والمعايير التي جرى اعتمادها في تحديد ما يُعترف به بوصفه فلسفة. فقد ظهرت إفريقيا في كثير من الخطابات موضوعًا للدراسة والتصنيف، لكنها نادرًا ما قُدمت باعتبارها فضاءً لإنتاج المفاهيم وبناء الأسئلة الفلسفية.
الفلسفة الإفريقية ليست فكرًا هامشيًا
لا ينبغي النظر إلى الفلسفة الإفريقية باعتبارها مجرد رد فعل على الفلسفة الغربية، أو خطابًا مقاومًا ظهر نتيجة التجربة الاستعمارية وحدها. صحيح أن الاستعمار وما خلفه من آثار سياسية وثقافية ومعرفية يمثل أحد موضوعاتها الأساسية، غير أن التفكير الفلسفي الإفريقي أوسع من أن يُختزل في هذه العلاقة.
إنه تفكير في الإنسان والوجود والمجتمع واللغة والذاكرة والسلطة والعدالة والمصير المشترك. كما أنه مجال متعدد الاتجاهات والمناهج، يضم نصوصًا وتجارب نشأت داخل لغات وسياقات تاريخية مختلفة. لذلك لا توجد فلسفة إفريقية واحدة مغلقة، بل توجد فلسفات ومواقف وأسئلة تتقاطع أحيانًا وتختلف أحيانًا أخرى.
ويقتضي الاعتراف بهذا التعدد الابتعاد عن تقديم إفريقيا بوصفها كتلة متجانسة تتحدث بصوت واحد. فالتنوع ليس عائقًا أمام بناء الفكر، وإنما هو شرط من شروط حيويته وقدرته على النقد والتجدد.
من التعريف إلى بناء المعرفة
يتمثل المحور الأول لمشروع الكوليج في التعريف بالمنجز الفلسفي والفكري الإفريقي والعناية به. وتشمل هذه العناية قراءة المؤلفات والمقالات والنصوص، وترجمتها ودراستها وشرحها وفهرستها، ثم جعلها متاحة للطلبة والباحثين والقراء.
فكثير من النصوص الفلسفية الإفريقية ما تزال محدودة التداول بسبب غياب الترجمة، أو صعوبة الوصول إليها، أو عدم حضورها في البرامج الجامعية. ولهذا لا يمكن فصل إنتاج المعرفة عن بناء الأدوات التي تسمح بتداولها، مثل المكتبات الرقمية والمعاجم المفهومية والأنطولوجيات والأعمال التمهيدية.
ولا تقتصر مهمة الترجمة على استبدال كلمات لغة بكلمات لغة أخرى، بل تشمل إعادة بناء الحجة وفهم السياق والمحافظة على العلاقات التي يقيمها النص بين مفاهيمه. لذلك ستكون الترجمة داخل الكوليج ممارسة فلسفية تقوم على البحث والمراجعة والحوار بين المترجمين والمتخصصين.
الفلسفة والعدالة المعرفية
يسعى كوليج الفلسفة الإفريقية إلى الإسهام في تحقيق العدالة المعرفية. ويقصد بها توفير شروط متكافئة تسمح للأفكار والنصوص والتجارب المختلفة بأن تُقرأ وتُناقش بعيدًا عن الأحكام المسبقة والترتيبات التي تجعل ثقافة معينة مركزًا، وتحول الثقافات الأخرى إلى مجرد هوامش.
ولا تعني العدالة المعرفية قبول كل خطاب دون نقد، كما لا تعني تحويل الانتماء الجغرافي أو الثقافي إلى دليل على صحة الأفكار. إن الاعتراف الحقيقي بالفكر الإفريقي يقتضي معاملته بوصفه فكرًا قابلًا للتحليل والمناقشة والاعتراض، لا بوصفه تراثًا جامدًا تجب حمايته من النقد.
ولهذا يرفض الكوليج توظيف الفلسفة لخدمة التفوق العرقي أو الجنسي أو الثقافي، كما يرفض وصاية عقل على عقول أخرى. فالفلسفة، في أفقها الإنساني، ممارسة للحوار الحر، وبحث مشترك عن الفهم، وقدرة دائمة على مراجعة المسلمات.
الفلسفة بوصفها ممارسة
لا يقتصر مشروع الكوليج على نشر المقالات والدراسات، بل يسعى إلى جعل الفلسفة ممارسة حية من خلال تنظيم الندوات وحلقات القراءة والدورات التكوينية وورشات الترجمة والمراجعة والتأليف.
وتقوم هذه الأنشطة على تدريب الباحثين والطلبة على قراءة النصوص، وتحديد الإشكالات، وتحليل المفاهيم، وإعادة بناء الحجج، والتمييز بين المواقف، وصياغة الأسئلة بطريقة واضحة ودقيقة.
كما يطمح الكوليج إلى إنتاج أنطولوجيات فلسفية إفريقية، ومعاجم عامة ومتخصصة، وأعمال وسيطة تساعد القارئ على دخول النصوص وفهم سياقاتها. فالغاية ليست نشر مواد متفرقة فحسب، وإنما بناء تراكم معرفي منظم يمكن الرجوع إليه وتطويره.
فضاء مفتوح للحوار والمساهمة
هذا الموقع هو الواجهة الرقمية لمشروع كوليج الفلسفة الإفريقية. وسيعمل على نشر المقالات والدراسات والترجمات والمحاضرات المصورة وحلقات البودكاست، إلى جانب الإعلان عن الندوات والورشات والإصدارات.
كما سيكون فضاءً مفتوحًا أمام الباحثين والكتاب والمترجمين والطلبة الراغبين في المساهمة بمواد علمية وفكرية تتوافق مع أهداف المشروع ومعاييره التحريرية.
إن إعادة الاعتبار للفلسفة الإفريقية ليست مهمة تخص إفريقيا وحدها، لأنها تسهم في توسيع فهمنا للتجربة الإنسانية وفي بناء عالم معرفي أكثر تعددًا وإنصافًا. فحين تتحرر الفلسفة من المركزيات المغلقة، تصبح أكثر قدرة على الإصغاء إلى اختلاف التجارب، وعلى بناء حوار لا يقوم على الوصاية، بل على المشاركة والنقد والاعتراف المتبادل.
ومن هذا الأفق ينطلق كوليج الفلسفة الإفريقية: فضاءً للتعريف والبحث والترجمة والتكوين، ومشروعًا يسعى إلى أن يجعل صوت الفكر الإفريقي حاضرًا وفاعلًا في الأسئلة التي ترسم مستقبل الإنسان والعالم.

تعليقات
إرسال تعليق