أشيل مبيمبي: ما بعد المستعمرة وسياسات الموت

Article image

مدخل

يحلل أشيل مبيمبي «ما بعد المستعمرة» لا كزمن يأتي ببساطة بعد الاستعمار، بل كتركيب تتجاور فيه مؤسسات موروثة وشبكات محلية واقتصاد عالمي. السلطة فيه لا تعتمد القمع وحده؛ تنتج طقوساً وصوراً ورغبات يشارك المحكومون أحياناً في تداولها.

السياق التاريخي

في مفهوم «سياسات الموت» يسأل مبيمبي عن السلطات التي تقرر من يمكن أن يعيش ومن يُترك للموت. المخيم والحدود والاحتلال والحرب ليست استثناءات هامشية، بل مختبرات تكشف تفاوت قيمة الحياة في النظام العالمي.

المفاهيم الأساسية

قوة التحليل أنه يصل السيادة بالجسد والمكان والبنية التحتية. غير أن استعمال المفهوم يحتاج إلى تحديد تاريخي حتى لا تصبح كل أشكال العنف متماثلة.

الدلالة الفلسفية

يفتح مبيمبي مجالاً لدراسة إفريقيا خارج سردية الفشل. فالمجتمعات لا تُختزل في ضحايا السلطة؛ إنها تنتج أيضاً أساليب للسخرية والحركة والعيش تتفاوض مع النظام وتقاومه.

الجذور التاريخية

لا يمكن تناول ما بعد المستعمرة وسياسات الموت وعلاقة السيادة بالمكان والجسد والبنية التحتية خارج التاريخ الذي صاغ أسئلته. فالمفهوم الفلسفي لا يولد في فراغ، بل يتكون داخل صراعات اجتماعية ولغوية ومؤسساتية تحدد ما يُعترف به معرفةً ومن يُعترف به منتجاً لها. لذلك تجمع القراءة الأكاديمية بين تحليل النصوص وإعادة بناء سياقاتها، وتتجنب تحويل التجربة الإفريقية إلى مثال ثابت أو هوية مغلقة. إن وضع الحجة داخل تاريخها لا ينقص من قيمتها النظرية، بل يوضح المشكلات التي جاءت للإجابة عنها والحدود التي ينبغي تجاوزها.

من الوصف إلى الحجاج

تنبني المسألة مفاهيمياً على التمييز بين الوصف والتبرير. فقد نستطيع وصف اعتقاد أو ممارسة منتشرة، لكن الفلسفة تبدأ حين نسأل عن أسباب قبولها وعن آثارها الأخلاقية والسياسية. في هذا المستوى يصبح ما بعد المستعمرة وسياسات الموت وعلاقة السيادة بالمكان والجسد والبنية التحتية موضوعاً للمقارنة والحجاج، لا مجرد علامة على اختلاف ثقافي. كما يسمح هذا التمييز بإبراز الخلاف داخل المجتمعات الإفريقية نفسها، ويمنع تقديم القارة كما لو كانت صوتاً واحداً بلا تاريخ أو تناقضات.

اللغة والترجمة

يفرض الموضوع عناية خاصة باللغة والترجمة. فالكلمات التي تبدو متكافئة قد تحمل تصورات مختلفة للشخص والزمن والسلطة والمعرفة. والترجمة الدقيقة ليست استبدال لفظ بآخر، وإنما اختبار لشبكة المفاهيم التي تمنح اللفظ معناه. من هنا تأتي ضرورة الرجوع إلى الاستعمالات المحلية، ومقارنة المصطلحات، وبيان القرارات التي يتخذها الباحث عندما ينقلها إلى لغة أكاديمية عالمية. بهذا المعنى تصبح الترجمة جزءاً من البرهنة الفلسفية نفسها.

قراءة في الأعمال المؤسسة

تكشف قراءة Mbembe, Achille. On the Postcolony. University of California Press, 2001. أن بناء الحقل اقترن دائماً بنقد الصور التي صاغها الاستعمار عن إفريقيا. غير أن مقاومة تلك الصور لا تبرر استبدالها بصورة مثالية مضادة. المطلوب هو بحث قادر على الاعتراف بالإنجازات وبأشكال الهيمنة الداخلية معاً. وتساعد قراءة Mbembe, Achille. Necropolitics. Duke University Press, 2019. على توضيح أن النقد لا يستهدف التراث أو الحداثة في ذاتهما، بل يفحص كيفية استعمالهما ومن يستفيد من السلطة التي تمنحها كل منهما.

الاعتراضات المنهجية

توجد اعتراضات منهجية ينبغي أخذها بجدية. قد يؤدي التركيز على الخصوصية إلى العزلة، بينما قد يؤدي البحث عن الكونية إلى محو الفروق التاريخية. والحل ليس اختيار طرف واحد، بل بناء كونية حوارية تختبر مفاهيمها عبر لغات وتجارب متعددة. كما يجب التمييز بين استعمال المصادر الشفوية استعمالاً نقدياً وبين تحويلها إلى أدلة على إجماع متخيل، وبين الاستفادة من المناهج الغربية وبين التسليم لها بسلطة معيارية مطلقة.

الراهنيّة

تظهر راهنية الموضوع في التعليم والقانون والسياسة والثقافة العامة. فطريقة كتابة تاريخ الفلسفة تؤثر في المناهج وفي صورة المتعلم عن قدرته على إنتاج المعرفة. كما أن مفاهيم الشخص والعدالة والسلطة لا تبقى داخل الكتب، بل تدخل في تصميم المؤسسات وفي توزيع الحقوق والموارد. لذلك لا يقتصر البحث في ما بعد المستعمرة وسياسات الموت وعلاقة السيادة بالمكان والجسد والبنية التحتية على تصحيح الماضي؛ إنه يشارك في بناء حاضر معرفي أكثر تعدداً وفي توسيع المجال الذي تستطيع المجتمعات من خلاله التفكير في مستقبلها.

مسارات البحث

من الناحية البحثية، يحتاج تطوير هذا الموضوع إلى الجمع بين الأرشيف المكتوب والمقابلات والمصادر الشفوية والتحليل المقارن. وينبغي ألا تُستعمل الشواهد بوصفها زخرفة ثقافية، بل بوصفها مواد تسمح بإعادة بناء السؤال والحجة والاعتراض. كما يفيد التعاون بين الفلسفة والتاريخ واللسانيات والأنثروبولوجيا، شريطة أن يحتفظ البحث الفلسفي بسؤاله المعياري: ليس فقط كيف يفكر الناس، بل ما الذي يجعل موقفاً ما قابلاً للدفاع والتعميم والمراجعة.

خاتمة

خلاصة القول إن دراسة ما بعد المستعمرة وسياسات الموت وعلاقة السيادة بالمكان والجسد والبنية التحتية لا تبحث عن تعريف نهائي يغلق النقاش. قيمتها في تنظيم الخلاف وإظهار المسارات التي سلكتها المفاهيم بين اللغات والمؤسسات والتجارب. وحين تُقرأ الأعمال المؤسسة إلى جانب النقد المعاصر، يتضح أن الفلسفة الإفريقية ليست ملحقاً جغرافياً بتاريخ جاهز، بل مساهمة في إعادة تعريف الفلسفة ذاتها: موضوعاتها، وأرشيفها، وطرائق إنتاجها، والمسؤولية العامة التي تتحملها تجاه العالم.

المراجع

  • Mbembe, Achille. On the Postcolony. University of California Press, 2001.
  • Mbembe, Achille. Necropolitics. Duke University Press, 2019.
  • Comaroff, Jean and John Comaroff. Law and Disorder in the Postcolony. University of Chicago Press, 2006.

تعليقات

مقالات قد تهمك

الفلسفة الإفريقية والعدالة المعرفية: لماذا نحتاج إلى إعادة كتابة تاريخ الفلسفة؟

لماذا كوليج الفلسفة الإفريقية؟ نحو فضاء للفكر والعدالة المعرفية

هل الفلسفة الإفريقية هامش للفلسفة الغربية؟

إفريقيا بوصفها فضاء لإنتاج المفاهيم

الفلسفة ممارسة: القراءة والترجمة والفهرسة بوصفها عملًا فكريًا

كوامي نكروما: الوعيانية والوحدة الإفريقية

الأخلاق البيئية الإفريقية: من ملكية الطبيعة إلى علاقة الرعاية

نحو أنطولوجيا للفلسفة الإفريقية: من جمع النصوص إلى بناء الحقول

الفلسفة النسوية الإفريقية: الجندر بين التاريخ والاستعمار